الحرس الثوري يتقدّم والدولة تتراجع.. إيران أمام صراع نفوذ داخلي

كتب موقع "العين الاخبارية":

في قلب المشهد الإيراني، لم تعد التصدعات خفية ولا قابلة للتستر خلف خطاب "التماسك" الرسمي؛ بل باتت تتكشف بحدة كصراع مفتوح على النفوذ داخل منظومة حكم تتآكل من الداخل.

النظام تحول عمليًا إلى ساحة تتنازعها مراكز قوى متصارعة، يتقدمها الحرس الثوري بوصفه اللاعب الأكثر تغولًا، في مقابل تراجع ملحوظ لدور المؤسسات السياسية التي باتت أقرب إلى واجهات شكلية بلا تأثير حقيقي، يزيدها انقسامًا الغياب الفعلي للمرشد مجتبى خامنئي.

ووفق خبير تحدث إلى «العين الإخبارية»، فإن الحرس الثوري بات الطرف الأكثر نفوذًا داخل النظام الإيراني، مقابل تراجع نسبي لدور المؤسسات السياسية، التي تعمل تحت سقف تفرضه مراكز قوة تميل كفتها للمؤسسة العسكرية، في ظل تباينات داخلية مستمرة.

وفي ظل هذا التشظي، تبدو إيران ككيان مأزوم، تتنازع قراره أجنحة متنافسة، وتدفع به حساباتها الضيقة نحو مزيد من التصعيد الخارجي، في محاولة للهروب من أزمات داخلية تتفاقم، لكنها تترك آثارًا عميقة في بنية السلطة واستقرارها.

هيمنة الحرس وتراجع الدولة

ويرى الدكتور يوسف بدر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، في حديث لـ«العين الإخبارية» أن تصاعد نفوذ الحرس الثوري الإيراني يعكس بالفعل تراجعًا للمؤسسات المدنية في إيران.

ويوضح أن هذا التصاعد يعود إلى سببين رئيسيين: الأول وجود نظام هجين يجمع بين المدني والعسكري، حيث تستمر المؤسسات المدنية في العمل تحت سقف ترسمه مراكز قوة غير منتخبة تميل كفته لصالح الحرس الثوري والمؤسسة الأمنية.

أما السبب الثاني، فهو تغلغل المؤسسة العسكرية داخل البنية المدنية عبر شخصيات موالية ومتقاعدين وشبكات اقتصادية، ما يمنحها نفوذًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة، في مقابل غياب تأثير حقيقي للمؤسسات المدنية داخل المنظومة العسكرية.

ويضيف أن اعتبارات الحرب وغياب دور فعلي للمرشد تمنح الحرس الثوري مساحة أوسع للتدخل، وهو ما يظهر بوضوح في تأثيره على السياسة الخارجية، سواء في إدارة السفارات أو في توجيه القرار الدبلوماسي.

صراع أجنحة بلا توازن

وفيما يتعلق بطبيعة الصراع داخل النظام، يشير بدر إلى أن التباينات قائمة بالفعل، بدليل وجود أصوات داخلية تدعو إلى مراجعة السياسات، خاصة الخارجية، ما يعكس وجود تيارات تخشى من كلفة التصعيد المستمر.

كما يلفت إلى وجود اختلافات داخل الحرس الثوري نفسه بين جيل تقليدي تشكّل في ظل الثورة والحرب مع العراق، وجيل أحدث أكثر ارتباطًا بالاقتصاد والتكنولوجيا، يميل إلى إدارة المخاطر بدل المواجهة المباشرة، إلا أن هذه الاختلافات تظل «مدارة» ضمن إطار المصالح.

قرار مرتبك

وحول تأثير هذا الواقع على القرار السياسي، يؤكد بدر أن استقلالية الحكومة محدودة، إذ تخضع القرارات الكبرى، خاصة في السياسة الخارجية، لموافقات مؤسسات يهيمن عليها نفوذ الحرس الثوري، ما يجعل ميزان القوة يميل بوضوح لصالحه.

ويختتم بالإشارة إلى أن الخلافات المتصاعدة والضغوط الأمريكية قد تؤدي إلى إنهاك التماسك المزعوم تدريجيًا على المدى الطويل.

إعادة تشكيل السلطة

ولا يقتصر المشهد على صراع النفوذ، بل يمتد إلى إعادة تشكيل عميقة لبنية الحكم، إذ لم يعد مركز القرار محصورًا في مرجعية واحدة، بل أصبح موزعًا بين دوائر أمنية وعسكرية ضيقة، في تحول يعكس انتقالًا من «القيادة الدينية المركزية» إلى نمط أقرب إلى «الإدارة الأمنية الجماعية» التي يهيمن عليها الحرس الثوري.

ويتجلى هذا التحول في تراجع دور المرشد إلى مستوى أقرب للمصادقة على قرارات تُصاغ داخل مؤسسات مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، بما يكرّس غياب مرجعية حاسمة، ويعزز حالة الضبابية في اتخاذ القرار، خاصة في الملفات الحساسة كالتفاوض وإدارة الأزمات.

كما تعزز تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، نهاية آذار الماضي، هذه القراءة، إذ أشار إلى وجود «انقسامات» داخلية في إيران، مؤكدًا أن ما تعلنه طهران لا يعكس بالضرورة مواقفها الحقيقية في المحادثات، وأن هناك فجوة بين الخطاب العلني وما يُطرح في القنوات غير الرسمية.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى