حان وقت الخروج من الحروب

كتب أحمد الأيوبي في صحيفة نداء الوطن:
في العام 1984 انخرطت حركة "المرابطون" بزعامة إبراهيم قليلات في تحالف عسكري ضمّها مع حركة "أمل" والحزب "التقدمي الاشتراكي" لإسقاط اتفاق 17 أيار الذي توصّل إليه الرئيس الأسبق أمين الجميل والحكومة اللبنانية برئاسة شفيق الوزان لإنهاء الغزو الإسرائيلي للبنان ومفاعيله، فجاءت الأوامر السورية – الروسية لإسقاط الاتفاق، لكن ما لا يتحدّث عنه نبيه بري ووليد جبنلاط هو ما حصل لحليفهما السني بعد إسقاط ذلك الاتفاق.
الواقع أن من أولى نتائج ذلك الإسقاط هو الانقلاب على حركة "المرابطون" والانقضاض عليها وإنهاء القوة العسكرية السنية في بيروت، في سياق المسار الذي رسمه حافظ الأسد لضرب السنة والمسيحيين وتحويل لبنان إلى امتداد لحكم الأقليات العابرة للحدود كما آل إليه المشروع الإيراني في المنطقة.
العـِبـرة في هذا التطوّر أن محور إيران وقبل ذلك الأسد، يعنيه لبنان، ولا يعنيه المسيحيون ولا السنة، بل إنه قائم على مركزية ولاية الفقيه ومن يتشيع على نهجها سياسيًا... وهذا ما أوصل لبنان وسوريا والمنطقة إلى دمار أخطر من الدمار النووي.
واليوم، يواجه لبنان استحقاقًا فاصلا: هل سيسمح باستمرار صراع الاحتلالين الإسرائيلي والإيراني على أراضيه، أم سيتمكن من إنهاء هذ الصراع والوصول إلى اتفاق دائم مع إسرائيل للوصول إلى استقرار يؤدّي إلى بناء الدولة والسماح باستثمار ثرواته وموقعه الاستراتيجي والوصول إلى حالة الدولة الطبيعية.
لقد أثبتت الوقائع أن الحروب في لبنان منذ أن استولت إيران على القرار الاستراتيجي في البلد، كانت نتائج حسابات إيران في محاولاتها التوسعية في الإقليم، وهذا ما جعل حزبها رأس حربة في إشعال الصراع، وخاصة منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 وما تلاه من حروب كان البادئ فيها "حزب الله": 2006 ثم حربا إسناد غزة وإسناد إيران والثأر لمصرع علي خامنئي، حيث رمى "الحزب" كلّ التقية التي لبسها وأعلن أنه حزب إيراني يقوده عمليًا الحرس الثوري في لبنان.
ليس المطلوب طبعًا التسرّع في الخطوات المتعلقة بالمفاوضات، لكن نموذج الثنائي الإيراني في التفاوض لا يصلح بالتأكيد ليكون نموذجًا يُحتذى بعد أن تورّط في تخسير لبنان النقاط المعلومة في الحدود البحرية، وبعد أن كشف الرئيس جوزاف عون كذبه في الورقة التي وافق الرئيس نبيه بري عليها والتي تسمح لإسرائيل بحرية الحركة في لبنان في اتفاق العام 2024 وفي الاتفاق الحالي الذي يرعى الهدنة.
أعلن الرئيس عون أنه لا يريد التطبيع، بل يريد السلام عبر التفاوض المباشر، وأكد مع الرئيس نواف سلام أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ضرورية حتى لا تفاوض إيران باسم لبنان من جهة، ولضرورة وجود الدولة من جهة أخرى.
لقد أمّنت الاتفاقات مع إسرائيل الاستقرار لمصر والأردن، واستمرّ الشعبان المصري والأردني في رفض التطبيع، لكن الحروب انتهت في مصر والأردن وأصبحت الدولتان قادرتين على الالتفات إلى البناء الداخلي. وهذا ما يسمح للقاهرة وعمّان بالاستفادة من الفرص وبالوصول إلى التقاطعات المطلوبة مع المصالح العربية والدولية.
لقد خضع لبنان لتجارب الحرب، والواضح أنها لم تكن حروباً تخصّ اللبنانيين، بل هي حروب تقع على خطّ المصالح الإيرانية، واليوم، يقف البلد أمام مفترق طرق: بين الحرب الانتحارية العبثية، وبين السلام الضامن للحقوق، والمدعوم عربيًا وإقليميًا. والمواقف الجريئة التي يتخذها الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام، ليست نابعة فقط من مستلزمات العمل الدبلوماسي، بل آتية من خلفية وطنية تريد تحقيق تحرير الأرض واستعادة الأسرى، وتتمكن من استقطاب التمويل لإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المفقود.
يظن حزب إيران أن باستطاعته العودة إلى السيطرة والهيمنة بعد وقف إطلاق النار وإدخال البلد في دوامة الهدنات المعلّقة، لكن المنطقة دخلت تحولا غير قابل لإحياء هيمنة الميليشيات، ولا بـُدّ من انبلاج فجر الدولة العادلة القوية.
