العفو العام في لبنان: بين ضغط السجون وتعقيدات العدالة والسياسة

كتب غابريال مراد في صحيفة نداء الوطن:
أخّر مشروع قانون العفو انعقاد الجلسة التشريعية لمجلس النواب من نيسان إلى أيار، بعدما استدعى النقاش حول هذا الملف الشائك عقد أكثر من اجتماع للجان النيابية المشتركة. فقد برزت تباينات واضحة في الآراء والملاحظات، ما فرض التريّث وتجنّب التسرّع في حسمه، خصوصًا أنّ أي قرار متسرّع قد ينعكس سلبًا على الثقة الداخلية والخارجية بالدّولة.
وتبرز الأرقام كعنصر أساسي في هذا النقاش، إذ تشير الإحصاءات الرسميّة إلى وجود 6223 سجينًا في لبنان، بينهم 3731 لبنانيًا، و1707 سوريين، و 450 فلسطينيًا، إضافة إلى جنسيات أخرى بأعداد أقلّ. كما أن الغالبية من هؤلاء هم موقوفون احتياطيًا، حيث يبلغ عددهم 3403، ما يعكس خللا بنيويًا في النظام القضائي وتأخرًا في البتّ بالدعاوى، ويطرح تساؤلات حول جدوى التوقيف الاحتياطي الطويل.
ورغم إجماع النواب على "مبدأ" إقرار العفو، إلا أن الخلاف يتمحور حول مضمونه والفئات التي سيشملها، في ظلّ حساسيّة الملف وتعقيداته القانونية والسياسية. فالعفو ليس مجرّد إجراء قانونيّ، بل هو قرار ذو أبعاد اجتماعية وأمنية واقتصادية، يفرض مقاربة دقيقة ومتوازنة.
ووفق معلومات "نداء الوطن"، فالنص المكتوب "قابل للتأويل" ويفتح المجال للتفسيرات، ما يتطلّب التشدّد والتوضيح. وبالتالي، هناك استثناءات مطلوبة على من سيشملهم العفو، "حتى ما يظمط" من ارتكب الفساد المالي في الدولة على مدى سنوات. كما أن هناك اتفاقات دولية وقّع عليها لبنان في ما يتعلّق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب أو الإتجار بالبشر، وشمول هذه الفئات بالعفو قد يضرّ بسمعة لبنان ويؤثر على تقييمه الدولي وعلى فرص حصوله على مساعدات خارجية.
إلى جانب ذلك، تبرز مسألة الحقوق الشخصية، إذ لا يجوز أن يتحوّل العفو إلى وسيلة للتهرّب من سداد المتوجّبات المالية أو التعدّي على حقوق الأفراد، لا سيّما في القضايا المدنية. فـ "تخفيف الاكتظاظ في السجون شيء، وأكل حقوق الناس شيء آخر"، ما يفرض الفصل الواضح بين الحق العام والحق الشخصي.
إجراء مرحلي
ينظر كثيرون إلى العفو، في حال إقراره، كإجراء مرحلي وموقت لا يشكّل حلا جذريًا، إذ إن إطلاق سراح بعض السجناء لا يضمن عدم عودتهم إلى ارتكاب الجرائم، خاصة في ظلّ الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعاني منها لبنان، وارتفاع نسب البطالة والفقر.
من هنا، لا يقتصر الجدل على الأرقام، بل يمتدّ إلى طبيعة الجرائم التي يمكن أن يشملها العفو. فترتفع الأصوات الرافضة إدراج الجرائم الخطيرة أو المرتبطة بالإرهاب والاعتداءات الجسيمة، مقابل مطالبات بتوسيع نطاق العفو ليشمل الجرائم البسيطة، لا سيّما قضايا المخدّرات ذات الطابع الاستهلاكي أو المخالفات الناتجة عن الظروف المعيشية.
في المقابل، يطرح هذا الملف إشكالية دقيقة تتعلّق بالتوازن بين العدالة والإنصاف. فبينما يخشى البعض من تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، يرى آخرون أن العفو قد يشكّل فرصة إنسانية لمعالجة أوضاع السجون المكتظة، وفتح باب إعادة التأهيل ودمج السجناء في المجتمع، إذا ما ترافق مع برامج إصلاحيّة حقيقيّة.
كما يسلّط النقاش الضوء على ضرورة إقرار إصلاحات موازية، تبدأ بتسريع المحاكمات، وتفعيل دور القضاء، واعتماد بدائل للعقوبات السالبة للحرية في بعض الجرائم، وتحسين أوضاع السجون. فالعفو، من دون إصلاح شامل، يبقى حلا موقتًا لمشكلة أعمق.
وفي هذا السياق، يبرز مطلب وضع معايير واضحة وشفافة لتحديد المستفيدين من العفو، بما يضمن تحقيق العدالة، وحماية حقوق الضحايا، والحفاظ على هيبة الدولة.
وبينما تستمرّ النقاشات في اللجان المشتركة على المستويين النيابي والوزاري، فإن انتقال الملف إلى الهيئة العامة سيعيد فتح باب السجال، في ظلّ استمرار التباينات بين الكتل النيابية، ما يجعل إقرار العفو العام رهن التوافق السياسي أكثر من كونه قرارًا تقنيًا بحتًا. وبعد مشرحة اللجان، سيأتي دور غربال الهيئة العامة.
