رواتب متآكلة و فرص شبه معدومة…الصحافيون اللبنانيون تحت الضغط الأزمة الإقتصادية

 في لبنان، لم تعد معاناة الصحافيين والصحافيات تقتصر على التحديات المهنية المعتادة، بل أصبحت أزمة اقتصادية خانقة تهدد استمراريتهم. في ظل التراجع الحاد في التمويل وتدهور الوضع المالي للمؤسسات الإعلامية، بات الصحافيون يواجهون واقعاً قاسياً: رواتب غير منتظمة، تخفيضات تطال الأجور، وحتى تسريح تعسفي في بعض الحالات. المؤسسات الإعلامية نفسها تكافح للبقاء، بعدما تقلصت مصادر الدعم، سواء من الإعلانات أو التمويل السياسي، ما دفع بعضها إلى الإغلاق أو تقليص عدد موظفيها. أما الصحافيون المتخرجون حديثاً، فيجدون أنفسهم أمام سوق عمل شبه مشلول، حيث الفرص محدودة، والرواتب بالكاد تكفي لتأمين الحد الأدنى من المعيشة. ففي بلدٍ تنهار فيه القطاعات الواحد تلو الآخر، يبدو قطاع الإعلام في قلب العاصفة، حيث تحولت المهنة من رسالة إلى معركة يومية من أجل البقاء.

وفي الوقت الذي تشهد فيه الصحافة الرقمية طفرة عالمية، تعاني المؤسسات الإعلامية الإلكترونية في لبنان من صعوبات مالية تهدد استمراريتها، على الرغم من كونها المفترض أن تقود مستقبل الصحافة. هذه المؤسسات، التي من المفترض أن تستفيد من التحولات الرقمية الجذرية، باتت عاجزة عن الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة وتطوير المحتوى بما يتناسب مع المعايير العالمية. السبب الرئيسي يعود إلى انكماش سوق الإعلانات، وغياب نماذج تمويل مستدامة، مما يضعف قدرتها على المنافسة إقليمياً وعالمياً. وحسب مصادر متابعة أكّدت لـ”لبنان24″ أن معظم هذه المنصات تعتمد على موارد مالية غير ثابتة، سواء عبر تمويل سياسي مشروط أو عبر إعلانات محدودة التأثير، ما يجعل استمراريتها مرهونة بمعادلات اقتصادية غير مستقرة. فالتمويل السياسي، الذي طالما كان عاملاً رئيسياً في دعم الإعلام اللبناني، بات يتضاءل مع اشتداد الأزمات الاقتصادية والسياسية، مما أجبر العديد من المؤسسات على تقليص نفقاتها أو حتى الإغلاق الكامل.

أما سوق الإعلانات، الذي يُفترض أن يكون مصدر دخل رئيسي للصحافة الرقمية، فهو في تراجع مستمر، إذ تعاني الشركات المحلية نفسها من أزمات مالية تجعلها غير قادرة على إنفاق ميزانيات تسويقية كبيرة. كما أن المنصات الرقمية في لبنان تواجه صعوبة في المنافسة مع وسائل التواصل الاجتماعي، التي استحوذت على الجزء الأكبر من الإنفاق الإعلاني. في هذا السياق، يقول أحد اصحاب شركات الإعلان لـ”لبنان24″ إن الشركات باتت تفضّل الإعلان عبر “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تيك توك”، حيث تصل إلى جمهور أوسع بكلفة أقل، بينما تظل المواقع الإخبارية الإلكترونية تعاني من ضعف العائدات الإعلانية، خاصة مع غياب سياسات تسويقية فعالة تستهدف الجمهور المحلي والإقليمي بشكل مبتكر.

من جهة أخرى، يعتمد نجاح الصحف الإلكترونية عالمياً على نماذج الاشتراكات المدفوعة، حيث يدفع القراء في مقابل الوصول إلى محتوى حصري وعالي الجودة. لكن في لبنان، يبدو هذا النموذج غير قابل للتطبيق في ظل التدهور الاقتصادي، إذ بالكاد يتمكن المواطنون من تأمين احتياجاتهم الأساسية، مما يجعل الاشتراك في المحتوى الصحفي مسألة ثانوية أو حتى معدومة. ومع غياب هذا المصدر الحيوي للدخل، تجد المؤسسات الإعلامية نفسها في حلقة مفرغة من الضغوط المالية، حيث تقل الموارد المتاحة للاستثمار في تطوير المحتوى، مما يؤدي إلى انخفاض جودته وبالتالي عزوف الجمهور عن متابعته.

يضاف إلى ذلك أن العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية لا تزال تعتمد على نماذج عمل تقليدية، ولم تتمكن من تطوير استراتيجيات رقمية حديثة تعزز تفاعل الجمهور وتحقق عائدات إضافية، مثل الاستفادة من البيانات الضخمة، أو تقديم خدمات مدفوعة ذات قيمة مضافة، أو حتى تنظيم فعاليات ومؤتمرات تدرّ دخلاً. هذا التخبط في الرؤية الاقتصادية يجعلها أكثر عرضة للانهيار مع استمرار الأزمة. 

أما الصحافيون العاملون في هذه المؤسسات ، فيجدون أنفسهم أمام تحديات مضاعفة، إذ لم تعد الأزمة تقتصر على غياب الاستقرار الوظيفي، بل باتت تشمل ضغط العمل المتزايد، وانعدام الضمانات المهنية، وتآكل قيمة الرواتب بفعل التضخم المستمر. فمع تقلّص ميزانيات المؤسسات الإعلامية، أصبح عدد الموظفين أقل، ما أجبر الصحافيين على القيام بمهام متعددة تتجاوز أدوارهم التقليدية، حيث يُطلب منهم الكتابة، والتحرير، والتصوير، وإنتاج الفيديوهات، وإدارة المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، كل ذلك برواتب بالكاد تكفي لسد الاحتياجات الأساسية. وبات الصحافي في لبنان يعمل في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات المهنية، إذ تراجعت فرص التدريب والتطوير، وغابت الاستثمارات في الأدوات التكنولوجية التي تعزز جودة الإنتاج الإعلامي. ومع تحول العمل الصحافي نحو المجال الرقمي، يحتاج الصحافيون إلى مهارات متجددة مثل تحليل البيانات، وصحافة الحلول، وإنتاج المحتوى التفاعلي، إلا أن المؤسسات الإعلامية لا تملك الموارد الكافية لتوفير هذا التدريب، ما يجعل العاملين في القطاع مجبرين على تطوير أنفسهم بشكل فردي، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة. ويُضاف إلى هذه الأزمات تراجع مستوى الحماية الاجتماعية للصحافيين، إذ يعاني الكثير منهم من غياب التأمين الصحي والتقاعدي، ما يجعلهم أكثر عرضة للضغوط المعيشية. كما أن بعض المؤسسات تلجأ إلى التوظيف غير الرسمي، فتُبقي الصحافيين في وضع قانوني هشّ، بلا عقود ثابتة تضمن لهم حقوقهم.

كل ذلك يطرح مستقبل الصحافة في لبنان، التي باتت تريد نفضة اقتصادية مهمة على صعيد عدد من المؤسسات والمواقع التي كافحت خلال الازمة ولا تزال صامدة حتّى اليوم، علمًا أنّ المؤسسات العربية تجد في ذلك الفرصة الأنسب لاستقطاب نخبة الإعلاميين اللبنانيين من جهة، بالاضافة إلى جذب الطلاب الذين حجزوا لأنفسهم مكانا في المواقع العربية التي تقدم لهم فرص عمل من لبنان في مقابل رواتب جيّدة للاستفادة من الخبرات اللبنانية وبنية الإعلام الأكاديمية التي تعتبر متميزة بين دول المنطقة العربية. 

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى