حدود لبنان بين الولايات المتحدة والسعودية

كتب شارل جبّور في “نداء الوطن”:
انطلاقاً من المثل القائل “الباب اللي يجيك منه ريح سده واستريح” فإن الحدود اللبنانية المشرعة شكّلت الباب الذي سقطت منه الدولة، فسوريا كانت الممر لتهريب السلاح والمسلحين، وإسرائيل كانت الهدف والحجة للقوى الإقليمية التي تريد السيطرة على لبنان في سياق مشروعها التوسعي، فدخل البلد في حروب لا تنتهي الثابت فيها التغييب المتواصل لدور الدولة السيادي.
وقد أخذت واشنطن على عاتقها ضبط الحدود بين لبنان وإسرائيل من خلال العودة إلى اتفاقية الهدنة والتطبيق الفعلي للقرار 1701، وإعادة الهوية اللبنانية-الدولية لهذه الحدود التي تنقلت في العقود الأخيرة بين دمشق-الأسد وطهران-الخامنئي، وبالتالي تمّ إبعاد إيران عن هذه الحدود بالقوة على أثر حرب الطوفان وإعلان “حزب الله” حرب الإسناد، ولم يعد مسموحاً لأي فصيل غير شرعي التواجد في جنوب الليطاني لاستخدامه تنفيذاً لأجندته الإقليمية.
فاتفاقية الهدنة التي أسقطت بقوة الأمر الواقع من الجانب اللبناني بدءاً من منتصف ستينات القرن الماضي، أزيلت كل العوائق أمام إعادة إنعاشها والعمل بها، وهذا التطور بالغ الأهمية ويرتدي الطابع الاستراتيجي بسبب استخدامه كذريعة لتكريس ازدواجية السلاح وتفوّق غير الشرعي منه على الشرعي، وتحويل لبنان إلى ساحة من وحدة ساحات المشروع الممانع.
والتطور الذي لا يقل أهمية يتعلّق بالحدود بين لبنان وسوريا في ظل أطماع نظام الأسد بلبنان وعدم اعترافه بوجود دولة لبنانية وسعيه إلى إلحاقها بدولته، والحدود نفسها تحوّلت على أثر إسقاط نظام صدام حسين وخروج إيران من جغرافيتها إلى معبر إيراني استراتيجي، يربط طهران ببغداد ودمشق وبيروت وصولاً إلى غزة، وقد شكل سقوط نظام الأسد إسقاطاً للحلقة التي تربط طهران ببيروت وغزة، فأصبح “حزب الله” محاصراً بين تل أبيب نتنياهو ودمشق الشرع.
ومع وصول نظام جديد في سوريا عبّر بكل صراحة عن رغبته في بناء علاقة من دولة إلى دولة، وأخرج إيران من سوريا، وأقفل الحدود أمام عبورها من العراق إلى لبنان فغزة، ومع الأحداث المتكررة على الحدود بين لبنان وسوريا والمفتعلة من قبل “حزب الله”، سعياً لهزّ استقرار سوريا بهدف إعادة فتح ممر التخريب مع إيران، أخذت المملكة العربية السعودية على عاتقها مسؤولية إخراج إيران من الحدود بين لبنان وسوريا، وضبط الأمن والاستقرار على جانبي الحدود، وترتيب العلاقة بين بيروت ودمشق برعاية عربية وأممية، وفي هذا الإطار بالذات رعت اجتماعاً بين وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى ونظيره السوري مرهف أبو قصرة سعياً لتبادل المعلومات الأمنية بين سوريا ولبنان، ورفعاً لمستوى التنسيق الأمني، ودفعاً باتجاه ترسيم الحدود، وحرصاً على استقرار البلدين وسيادتهما واستقلالهما ووحدة أراضيهما بما يتوافق مع القانون الدولي.
وتشكل الرعاية السعودية رسالة سياسية إلى كل من يعنيه الأمر في لبنان وخارجه بأن الحدود السائبة على قاعدة وحدة الساحات انتهت إلى غير رجعة، وأن محاولة هز استقرار سوريا ولبنان هو خط أحمر سعودي واستطراداً عربي، وأن الهيمنة الإيرانية على لبنان وسوريا رُفعت وعودتها ممنوعة، وأن من يظن أن بإمكانه الاستفراد ببيروت ودمشق مخطئ تماماً، لأن زمن السيطرة الإيرانية على بعض العواصم العربية أصبح من الماضي، وأن سيادة الدول العربية وفقاً للقانون الدولي تشكل أولوية سعودية.
فللمرة الأولى منذ عقود، تتمكّن الإرادة الدولية التي تريد لبنان دولة مستقرة من تسييج حدوده مع إسرائيل ومع سوريا، الأمر الذي لم يكن ممكناً في مراحل سابقة بفعل الأمر الواقع الممانع، ولكن بعد الهزائم المتتالية لهذا المحور تحوّل المستحيل إلى أمر ممكن حصوله، فأخذت واشنطن على عاتقها الحدود مع إسرائيل انطلاقاً من علاقتها مع تل أبيب، وأخذت الرياض الحدود مع سوريا انطلاقاً من حرصها على سيادة الدول العربية واستقلالها.
ولا تقلّ الحدود مع سوريا أهمية عن الحدود مع إسرائيل، فحتى لو أبعد “حزب الله” عن هذه الحدود بالقوة الأميركية، فإن ترك الحدود مع سوريا مفتوحة يُبقي الوضع اللبناني مفتوحاً أمام “الحزب” على رغم وجود نظام معاد للمحور الإيراني، لأن هذا النظام لم يتمكّن بعد من السيطرة المطلوبة بفعل الأوضاع المعلومة، وبالتالي ضبط الحدود هو الممر الإلزامي لقيام دولة فعلية في لبنان.
وإذا كان السقوط الأساسي للدولة اللبنانية كان عبر حدودها مع إسرائيل وسوريا، فإن هذه الحدود ضُبطت بقرار أميركي وسعودي، أي أن حدودها دوّلت بقرار دولي، وحيِّدت بالقوة بقرار وفعل دوليين، وهذا ما يعطي لبنان للمرة الأولى منذ 60 عاماً فرصة من أجل إعادة الاعتبار لقيام دولة فعلية.