2 نيسان… زحلة تقلب المعادلة

كتبت كارين قسيس في نداء الوطن :
لا يمكن أن تمرّ ذكرى حرب 2 نيسان 1981 من دون أن تُثير مشاعر شريحة واسعة من اللبنانيين، فهي تمثل نقطة تحول مفصليّة في تاريخ الصمود الوطني. في تلك الفترة، أصبح صمود مدينة زحلة رمزاً للكرامة والعنفوان، وعنواناً للوفاء للوطن في وجه الطغاة. كانت تلك المعركة درساً حقيقياً في كيفية النهوض بعد الصدمات، وكيف أن إرادة شعب يؤمن بعدالة قضيته لا يمكن أن تكسرها التحديات مهما كانت صعبة وقاسية.

في ذلك اليوم، كان الاحتلال السوري يفرض حصاراً خانقاً على المدينة، بينما كان القصف المدفعي يعصف بالأجواء. ومع ذلك، رفضت زحلة الاستسلام، وظلت ثابتة، وفية لروح المقاومة التي بدأت منذ بداية الحرب اللبنانية. في ظل هذا القصف المستمر، ارتفع صوت المقاومة عالياً، وكان الصمود أقوى من أي وقت مضى. لم تكن المعركة مجرّد قتال عسكري، بل كانت صراعاً من أجل البقاء والكرامة.
رفض أبناء زحلة فكرة الهروب أو الاستسلام، ودافعوا عن مدينتهم بكل ما أوتوا من قوّة. رجالها ونساؤها، شبانها وشاباتها، حملوا السلاح وواجهوا آلة الحرب السورية بكل بسالة. كانوا يعلمون أن الدفاع عن مدينتهم هو دفاع عن لبنان بأسره، وأنّ الحرّية لن تُستعاد إلاّ من خلال الوقوف في وجه الظلم، حيثُ لا مكان للضعف أو التراجع.

نواب القوات اللبنانية عامّة وفي زحلة خصوصاً لا يزالون يحملون هذا الإرث بكل فخر واعتزاز. وفي هذه الذكرى، يُؤكد عضو تكتّل الجمهورية القويّة، النائب جورج عقيص في حديث لـ”نداء الوطن” أنّ ذكرى 2 نيسان باقية في وجدان أبناء المدينة، مشيراً إلى أنّه مرّ أكثر من أربعين عاماً على هذه الذكرى، ورغم مرور الزمن، لا يزال الزحليون يتناقلونها من جيل إلى جيل، كما لو أنها جزء من ثقافتهم اليومية المحفورة في ذاكرة الأهل والأجداد.

ويعتبر أنّ هذه الحرب التي سطرها أبناء زحلة في مواجهة الاحتلال السوري كانت أساسيّة في تعزيز مفهوم السيادة الوطنية، مضيفاً: “ما زلنا في القوات اللبنانية نواصل حمل هذا الإرث النضالي والسيادي، الذي بدأناه في معارك الأشرفية وعين الرمانة وقناة، وصولاً إلى زحلة. ونحن اليوم نحيي هذه الذكرى من خلال تذكر شهدائنا الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الوطن، وعبروا عن شجاعة الزحليين في أحلك الأوقات.

ويرى عقيص أنّ هذه الذكرى تحمل رسالة واضحة وقوية أنّه مهما كانت التحديات، ومهما كانت قسوة العدو، تبقى قوة الحق أكبر، وإيماننا بأرضنا يبقى أقوى. هذا هو الدرس الذي تعلمناه من شهدائنا، وهو أن هذا الشعب لن يخضع مهما كانت الظروف.
ويُشدّد عقيص على أن ذكرى الثاني من نيسان ستظل نقطة فاصلة في تاريخ أهالي المدينة، مشدداً على “أنّنا نظل نتناقلها عبر الأجيال لتبقى حيّة في ذاكرة كل مواطن “زحلاوي”، لتذكيرهم بأن زحلة، قلب المقاومة، كانت وما تزال رأس حربة في مواجهة أي محاولة للخضوع”.

وفي الختام، اعتبر أن 2 نيسان لن يُنسى، ولنتذكر أنه في أحد الأيام، حاول السوريون إخضاعنا من خلال إرسال رسائل عبر مدينتنا، إلّا أن زحلة قلبت الآية وعكستها، وأثبتنا نحن، أبناء هذه المدينة العريقة، أنه لا أحد يستطيع إخضاعنا.

بين قذائف الحرب وعزيمة الأبطال

في تلك اللحظات العصيبة، أظهر أهل زحلة قدرة هائلة على الصمود، فلم يتوقفوا عن القتال رغم الظروف القاسية. ورغم القصف الذي كان يملأ الأجواء، بقيت عزيمة الزحليين متقدة، إذ كانت مقاومة المدينة أقوى من جميع القذائف. في تلك اللحظات التي خيّمت فيها عليهم قساوة العيش، غُرِست في قلوبهم بذور الفخر والمجد.

ومنذ تلك اللحظات البطوليّة، أصبحت عروسة البقاع أكثر من مجرّد مدينة في قلب لبنان. لقد تحوّلت إلى رمز للمقاومة اللبنانية، وأيقونة في تاريخ نضال الشعب اللبناني ضدّ الاحتلال. فصمودها خلال تلك المعركة لم يكن فقط دفاعاً عن المدينة، بل كان دفاعاً عن الهوية الوطنية والحرية التي يسعى إليها كل لبناني. وبهذا الصمود، أصبحت “زحلة يا دار السلام” ليست مجرد عبارة أو أنشودة يُرددها البعض، بل مصدر إلهام وشعلة مضيئة في قلوب اللبنانيين، وأسطورة تاريخيّة ستظل حيّة في ذاكرة الأجيال القادمة.

لقد كتب أبناء زحلة تاريخاً جديداً يومها، تاريخاً يعكس قوة الإرادة وعظمة المقاومة في وجه أقسى الظروف. لم تكن المعركة مجرّد لحظة حاسمة في تاريخ زحلة فحسب، بل كانت لحظة تأسيس لمستقبل لبنان الذي لا يعرف الاستسلام، بل يعرف فقط الصمود والمقاومة، حتى في أحلك الظروف.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى