مَن المقصود بكلمة نعيم قاسم “طويلة على رقبتكم”؟

بعد مرور 48 ساعة على كلام الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، في ردّه على المطالبين بتجريد “الحزب” من سلاحه، واستعماله عبارة “طويلة على رقبتكم أن نتجرّد من السلاح كي يقتلونا ويقتلوا شعبنا، وتصبحون أنتم عملاء”، لا بدّ من التوقف عند هذا السقف السياسي العالي نسبيًا، مقارنة بآخر خطاب له، والذي اتسم بالهدوء والواقعية.
ويسأل السائلون، وبراءة الأطفال في عيونهم (بالإذن من نزار قباني): لماذا جاء خطاب الشيخ نعيم بهذه الحدّية غير المسبوقة في التخاطب السياسي، ولماذا هذه الحدّية في هذا التوقيت بالذات، وما هي المبررات لاستخدامه كلمات غير مألوفة في الخطاب السياسي لـ “حزب الله” حتى في ذروة تعرّضه لأقسى الاعتداءات الإسرائيلية، سواء عبر تفجير “البيجر”، أو عبر استهداف قرى الحافة الأمامية وتدميرها تدميرًا شبه كامل وقتل أطفالها ونسائها وشيوخها، وتشريد الآلاف ممن لم تصبهم الصواريخ.
هذا الخطاب ليس عفويًا أو زلة لسان من حيث الشكل، بل شكّل ذروة في التصعيد اللفظي غير المسبوق، الذي لا يمكن فصله عن لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها رئاسة الجمهورية، مع ملف “حصرية السلاح” شمال الليطاني، وعودة اللجنة الخماسية إلى لعب دور توفيقي ضاغط، من دون إغفال بالطبع ما للأحداث الجارية داخل إيران من تأثير مباشر على وضعية “حزب الله”.
ويعترف لجميع بأن الكلام عن سلاح “حزب الله”، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يعد محصورًا بجنوب الليطاني، لا في النقاش الداخلي ولا في المقاربات الدولية، إذ أن التطور الأهم اليوم هو في انتقال البحث الجدي عن هذه الحصرية إلى شمال الليطاني، أي إلى قلب المعادلة الداخلية، حيث يسقط القول بأن المسألة مرتبطة حصريًا بمواجهة إسرائيل أو بالقرار 1701. وهذا ما يفسّر تلقائيًا هذا الارتفاع الحاد في لهجة الشيخ نعيم.
فإذا كان المقصود بهذا الكلام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بعد حديثه إلى”تلفزيون لبنان”، فإن ما قاله رئيس البلاد، وهو القائد الأعلى للقوى المسلحة، لم يكن تصعيديًا، لكنه كان بالغ الدلالة. فهو لم يتحدّث عن السلاح كملف خلافي، بل كمسألة مرتبطة بالدولة وقرارها وسيادتها، من دون استثناء جغرافي أو سياسي. وهذا الطرح، حين يصدر عن رأس الدولة، يتحوّل تلقائيًا إلى مرجعية سياسية جديدة، لا يمكن لـ “حزب الله”، أو لغيره من القوى السياسية، تجاهله أو عدم احتوائه بإيجابية.
وفي رأي مراجع سياسية أن خطاب نعيم قاسم جاء بهذا المعنى بمثابة رسالة استباقية قاسية، هدفها منع انتقال النقاش من مستوى الكلام إلى مستوى المسار السياسي. فالحزب يدرك أن أي حوار جدي حول شمال الليطاني يفتح الباب أمام سؤال أكبر عن مبرر استمرار السلاح خارج الشرعية، وعمن يملك قرار الحرب والسلم فعليًا في لبنان؟
ولا يمكن بالتالي فصل هذا المشهد عن عودة اللجنة الخماسية (الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، مصر وقطر) إلى تحريك ملف الاستقرار اللبناني وفق تصور واضح، وهو تثبيت الهدوء جنوبًا، وضبط السلاح شمال الليطاني، تمهيدًا لإعادة انتظام الحياة السياسية والمؤسساتية. وهذا المسار، وإن قُدّم بعبارات ديبلوماسية ناعمة، فإنه يحمل في جوهره ضغطًا حقيقيًا على “حزب الله”، لأنه يضع سلاحه خارج أي غطاء لبناني جامع.
وهنا تحديدًا يصبح رفع السقف ضرورة بالنسبة إلى “الحزب”، خصوصًا أن إيران، التي ترى في سلاح “حزب الله” ورقتها الإقليمية الأهم، لا تستطيع القبول بتحويل النقاش اللبناني الداخلي إلى مدخل لنزع تدريجي أو تحجيم فعلي لهذا السلاح، سواء جنوب الليطاني أو شماله. لذلك، يأتي الخطاب العالي كرسالة مزدوجة إلى الخارج أولًا، ومفادها أن السلاح خط أحمر، وإلى الداخل ثانيًا ومؤداه أن أي نقاش في هذا الاتجاه هو خيانة أو عمالة.
وهنا مكمن الخطورة في كلام الشيخ نعيم. فلغة التخوين التي استُخدمت بحق كل من يطالب بحصرية السلاح بيد الدولة لم تعد محصورة المفاعيل بالقوى السياسية المعروفة مواقفها من سياسة “الحزب” وارتباطاته الإقليمية، بل أصبحت الدولة ذاتها، ورئيسها، ومعها قوى سياسية وشريحة واسعة من الرأي العام، متّهمة بالعمالة. وهذا يعني بالمعنى السياسي أن “الحزب” يشعر بأن غطاءه السياسي بدأ يتقلص، وأن ملف شمال الليطاني لم يعد تفصيلًا تقنيًا، بل عنوان لصراع سيادي حقيقي.
فكلام الشيخ نعيم قاسم لم يكن ردًا على تصريح أو سؤال، بل محاولة لكسر مسار قبل أن تكتمل حلقاته، الذي يبدأ من رئاسة الجمهورية، ويمرّ بشمال الليطاني، وتدعمه اللجنة الخماسية، وينتهي بسؤال عن دور الدولة الواحدة والقرار الواحد.
وفي رأي سياسي مخضرم أنه حين ترتفع لغة التهديد بدلًا من النقاش الهادئ والواعي، فهذا لا يدل على فائض قوة، بل على خشية من اللحظة، التي يصبح فيها منطق الدولة أعلى صوتًا من منطق السلاح.
المصدر: خاص لبنان٢٤
