الدولة تستعيد زمام المبادرة سياسيًا وأمنيًا وماليًا وقضائيًا

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
قبل أربعٍ وعشرين ساعة فقط من إسدال الستار على السنة الأولى من ولاية رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بدت هذه الساعات وكأنها خلاصة مكثفة لمسار عام كامل، بل أكثر من ذلك، تحوّلت إلى لحظة سياسية ودستورية فاصلة تلاحقت فيها الأحداث بوتيرة غير مسبوقة، وفصلت بينها ساعات قليلة، لكنها حملت مفاعيل استراتيجية عميقة أعادت رسم صورة الدولة وحدود أدوارها وقدرتها على الإمساك بمفاصل أساسية كانت حتى وقت قريب موضع نزاع أو مصادرة أو شلل.

في الحدث الأول، شكّلت جلسة مجلس الوزراء محطة مفصلية حين أُعلن رسميًا أن الجيش اللبناني بات يسيطر على منطقة جنوب الليطاني من دون تسجيل أي إشكال أو اعتراض، ولا سيما من وزراء “الثنائي”، وهو ما أضفى على الإعلان بعدًا سياسيًا ووطنيًا يتجاوز الإطار الأمني البحت. هذا التطور التاريخي والمنتظر منذ العام 1978 حمل مفاعيل عملية على الأرض لا رجعة فيها، إذ ثُبّت واقع جديد مفاده أن الدولة وحدها باتت تمسك بإدارة الأمن والقرار في هذه المنطقة الاستثنائية من حيث الموقع والمخاطر، وبكل ما تحتويه من بنى وسلاح وانتشار، في انتظار استكمال السيطرة الكاملة فور انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس المتبقية. وبذلك، انتقل ملف جنوب الليطاني من دائرة التجاذب والتأويل إلى خانة الوقائع الثابتة، مسجلًا نقطة تحوّل في مسار استعادة الدولة وظيفتها السيادية.

وبعد ساعات قليلة، جاء الحدث الثاني ليضرب في عمق الأزمة المالية، عبر المؤتمر الصحافي لحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، الذي شكّل صدمة سياسية وقضائية ومالية في آن واحد. فبإعلانه الادعاء على الحاكم السابق رياض سلامة، إلى جانب شركاء وشركات ومصارف استفادت من السياسات السابقة، قلب سعيد الطاولة على منظومة مالية اعتادت الإفلات من المساءلة. والأهم في هذا المشهد لم يكن فقط توجيه الاتهام، بل العنوان الذي رُفع بوضوح غير مسبوق: إعادة أموال مصرف لبنان كمدخل إلزامي لإعادة أموال المودعين. بهذا الموقف، انتقل ملف الودائع من دائرة الوعود والخطابات إلى مسار قانوني مباشر، يربط بين المحاسبة واسترداد الأموال، ويضع المسؤوليات في مكانها الصحيح، ما أعاد خلط الأوراق في واحد من أكثر الملفات خطورة وحساسية وتعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث وهو من نتاج منظومة حكمت لبنان منذ تسعينات القرن الماضي.

أما الحدث الثالث، فجاء ليعيد فتح جرح وطني لم يندمل، لكنه في الوقت نفسه حمل مؤشرات أمل طال انتظارها. فقد صدرت تبرئة المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار من الدعوى المقدّمة ضده من قبل النائب العام التمييزي السابق غسان عويدات، ما شكّل إعادة اعتبار كاملة لتحقيقات المرفأ بعد مرحلة طويلة من التعطيل والضغوط. هذه الخطوة أعادت إحياء المسار القضائي لقضية بحجم الكارثة الوطنية، وفتحت الباب أمام قرب صدور القرار الظني، بما يعنيه ذلك من انتقال الملف إلى مرحلة المحاكمات أمام المجلس العدلي، ووضع المتهمين والمتورطين أمام مساءلة طال انتظارها.

تزامن هذه الأحداث الثلاثة خلال أقل من يوم واحد لم يكن صدفة، بل عكس مسارًا سياسيًا وإداريًا بدأ يتبلور تدريجيًا خلال السنة الأولى من العهد، ليصل إلى لحظة نضوج مكثفة. فمن الأمن والسيادة في الجنوب، إلى المال العام وحقوق المودعين، وصولًا إلى العدالة في واحدة من أخطر القضايا القضائية في تاريخ البلاد، بدت الدولة وكأنها تعيد وصل ما انقطع بينها وبين دورها الطبيعي.

هكذا، لم تكن الساعات الأربع والعشرون الأخيرة مناسبة لإزاحة ورقة من عام رئاسي أول، بل تحوّلت إلى مشهد جامع لاختبار جدية الدولة وقدرتها على الفعل. وبينما لا تزال التحديات كبيرة والاستحقاقات ثقيلة، إلا أن ما سُجّل في هذه الساعات رسم معالم مرحلة جديدة، عنوانها أن استعادة الدولة هو مسار يمكن أن يُترجم قرارات ووقائع، متى توافرت الإرادة السياسية وغطاء المؤسسات، على أن تحمل الأيام المقبلة إذا ساعد الجو المتوتر في المنطقة مفاجآت لصالح لبنان في قطاعات تحتاج إلى إعادة إنهاض.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى