المناهج التربويّة في لبنان: بين جمود الماضي وتحدّيات العصر الرقميّ

كتب مازن مجوز في “نداء الوطن”:
في إحدى المدارس الرسميّة الواقعة في نطاق بلديّة بيروت، طُلب من التلاميذ حلّ مسألة رياضيّة تتضمّن عملة الليرة اللبنانية، لكن المثال الوارد في الكتاب يعود إلى تسعينات القرن الماضي، عندما كان سعر صرف الليرة يساوي 1507 ليرات مقابل الدولار.

رفع أحد التلاميذ يده وسأل: “إستاذ، شو يعني هيدا الرقم؟ ما بقدر إشتري فيه شي اليوم!” لم يستطع المعلّم إعطاء جواب مقنع، فالمناهج لم تُحدّث كي تعكس الواقع الاقتصاديّ الحاليّ. ليبقى السؤال كيف سيتفاعل الطلّاب مع واقع سريع التغيّر لا تعكسه كتبهم؟

يجمع مفكّرو علم التربية على أن على المناهج التعليميّة الانطلاق من الواقع المعاش، إذْ عليها التماثل مع الثقافة التي تعيش فيها، ومع النظم الاجتماعية الدينية والسياسية القائمة، لأن التعليم نظام فرعيّ من البنية الاجتماعية الكبرى، فكم هو حجم التحدّيات التي تواجه هذه المناهج التي مضى على إقرارها 28 عامًا؟

تعدّ المناهج التربويّة العمود الفقريّ للعمليّة التعليميّة، إذْ لا يمكن الوصول إلى الأهداف التربويّة والتعليميّة من دون وجود مناهج متكاملة ومترابطة بدءًا بالمراحل التعليميّة ما قبل المدرسة وصولًا إلى ما بعد التخرج من الجامعة والدراسات العليا.

وفي الوقت الذي قامت به دول الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول العربية كالسعودية والإمارات وقطر والأردن بإصلاحات واسعة، لا سيّما في الإمارات حيث ركّزت على التفكير النقديّ والمهارات الرقميّة والتعليم القائم على المشاريع، وفي السعودية على التربية الدينية والتقنيات واللغات، وفي قطر والأردن على ربط المناهج بالمهارات الحياتية وسوق العمل، لا تزال بعض الدول مثل لبنان وسوريا واليمن تعاني من جمود كبير في المناهج، يعود إلى الأزمات السياسية والاقتصادية.

هذه الفوارق تدلّ على أن تحديث المناهج في العالم العربيّ غير موحّد، ويعتمد على توفر الإرادة السياسية والتمويل والاستقرار المؤسّساتي.

وتخضع هذه المناهج في معظم دول الاتحاد الأوروبي بشكل مستمرّ للمراجعة والتقويم، ويدخل في عمليات المراجعة والتطوير ما يستجدّ من اختصاصات في ظلّ التسارع المعرفيّ والتحوّل الرقميّ وبما يترافق ومتطلّبات ثورة الذكاء الاصطناعي، كلّ ذلك يودي بشكل طبيعي وموضوعي إلى دخول تخصّصات جديدة، وغياب أخرى عن الاهتمامات البشرية لدى هذه الدول.

وهذا ما يدفعنا إلى الحديث عن التحدّيات التي يواجهها تحديث المناهج التربوية في لبنان، وفي هذا السياق يرى الدكتور ربيع مخلوف (باحث في الإدارة والتنمية التنظيمية)، “أنه رغم التغييرات الهائلة التي شهدها العالم بفعل ثورة التكنولوجيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لا تزال المناهج التربوية في لبنان تعود في إطارها العام إلى العام 1997″، لافتًا إلى أنها وُضعت في تلك المرحلة مع إدخال بعض التحديثات البسيطة التي لم تُحدث أي تغيير جوهري يراعي متطلبات العصر.

ويؤكّد مخلوف أن هذا الواقع “يخلق فجوة واضحة بين التعليم الذي يتلقاه التلاميذ والمهارات التي تطلبها سوق العمل، خصوصًا مع تشديد التقارير الدولية على أن 85 % من الوظائف التي ستكون موجودة عام 2030 لم يتمّ اختراعها بعد، ما يضع النظام التعليميّ الحالي في مأزق حقيقيّ أمام مجتمع حديث يتطوّر بسرعة البرق”.

تتقاطع هذه التحدّيات مع ما أشار إليه تقرير “جهوزية المدارس في لبنان” الصادر حديثًا عن المركز التربوي للبحوث والإنماء حول النقص الحادّ في الأدوات والبنية التحتية الرقمية في المدارس الرسمية، مع بيانات تتعلّق بمدى توافر الألواح التفاعلية وأجهزة التكنولوجيا، وخلص إلى أن أكثر من 44.9 % من المدارس لا تحتوي على أجهزة تكنولوجية ملائمة، ونسبة غير كبيرة فقط تمتلكها بالكامل.

ويختصر مخلوف مكامن الخلل الأساسيّة في النظام التعليميّ الحالي بضعفين رئيسيين: يتمثل أوّلهما في الفجوة الرقمية وجمود المحتوى، حيث يوجد إجماع واسع بين التربويين والخبراء على أن المناهج الحالية لا تلبّي حاجات العصر، كاشفًا عن أن العديد من الإحصاءات الحديثة غير الرسميّة توصّلت إلى أن أقل من 20 % من المدارس الرسميّة في لبنان تمتلك بنية تحتية رقمية متكاملة، ما يجعل المحتوى التعليميّ جامدًا وبعيدًا من الأدوات الحديثة وغير قادر على إعداد المتعلّمين للتفاعل مع بيئة معرفية تقوم على الابتكار.

أمّا الضعف الثاني، كما يقول مخلوف، فيتجلّى في التركيز على التلقين وغياب التفكير النقديّ، حيث يرتكز النظام الحاليّ على أسلوب الحفظ الذي أدّى، وفقًا لنتائج اختبارات “بيزا” (PISA) العالمية، إلى وقوع متوسّط أداء الطالب اللبناني في مرتبة متأخرة عالميًا في مهارات حلّ المشكلات والعلوم، ما يعكس غياب طرائق التدريس التفاعلية التي تشجّع على التحليل والمبادرة.

وانطلاقًا من الأرقام والنتائج التي تضمّنتها اختبارات “بيزا” والإحصاءات الحديثة والتقارير الدولية، يمكن الحديث عن التفاوتات النظامية وعدم التوازن في توزيع الموارد عبر القطاعات التعليمية في لبنان، والتي تتفاقم بفعل الفوارق المناطقية والقطاعية، لنسأل إلى أيّ مدى تعتبر الاستثمارات في مجال تطوير المناهج التربوية في لبنان “استثمارات موجّهة “؟ وهل التدريب الذي تخضع له القيادات التربوية كافٍ ووافٍ؟ وإلى أي مستوى وصلت عملية دمج التكنولوجيا؟ وهل الجهود والمساعي المبذولة حاليًا ستنجح في جعل المناهج التربوية مناهج شاملة، مرنة وقادرة على مواكبة متطلّبات سوق العمل العالمية المتطورة بسرعة؟

وفي ما يتعلّق بفكرة تحديث المناهج التعليمية، يشدّد مخلوف على أن المطلوب توافر مجموعة من العوامل الأساسية تبدأ بالوعي لدى أصحاب القرار بضرورة التغيير، وتمرّ عبر الإرادة السياسية التي تشكّل القوّة الدافعة لأي إصلاح، وتأمين التمويل اللازم، علمًا أن الاستثمار في التعليم الرقميّ يرفع الناتج المحلّي الإجمالي بنسبة قد تصل إلى 5 % على المدى الطويل، معتبرًا أنه تحدٍ كبير في ظلّ الأزمات الاقتصادية التي تتطلّب تفعيل الشراكات مع المؤسّسات الدولية والخبراء لضمان جودة المناهج ومطابقتها حاجات السوق.

وفي الختام، نعيد التأكيد أنه لطالما شكّل التعليم ركيزةً أساسيّة في بناء الحضارات ورافعةً للتنمية، وبالنظر إلى الكلفة العالية للتعليم ماديًا وبشريًا وزمنيًا، فإن تحديث المناهج لم يعد خيارًا ثانويًا بل ضرورة ملحّة، فمستقبل الأجيال مرهون بمدى جدّية هذا الإصلاح وشموليته، خاصة أن الفجوة المهاراتية بدأت تكلّف لبنان أرقامًا “غير معلنة” من الإنتاجية المفقودة، وهي مرجّحة للارتفاع إذا لم يتم تداركها عبر مناهج تربوية مواكبة لعصر التكنولوجيا والابتكار.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى