جريمة كاملة في جنوب لبنان

كتبت باسكال صوما في نداء الوطن:
نحو 84 قرية أصبحت العودة إليها مستحيلة في جنوب لبنان، فيما يواصل الشيخ نعيم قاسم تهديداته لإسرائيل وادعاءه النصر، وكأن صور الجنوب لا تصل إلى حيث يختبئ الشيخ نعيم. وقبيل الجولة الثالثة من المفاوضات في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، شنّت الأخيرة موجات من الغارات العنيفة في الجنوب وحتى البقاع، بما يذكّر فعلا بسيناريو غزة الذي طالما هدّد به الجانب الإسرائيلي.
في هذا الإطار، يوضح الخبير العسكري العميد المتقاعد يعرب صخر، أن "التهديد بتحويل لبنان إلى غزة نجح بشكل كبير، ولاسيما في جنوب الليطاني بدءًا من الحرب السابقة، مع تحويل نحو 24 قرية غير قابلة للحياة، بعمق كيلومتر أو اثنين وبطول مئة كيلومتر من الناقورة حتى كفرشوبا وشبعا. أما في الحرب الثانية فعمّق الجيش الإسرائيلي توغله في الجنوب اللبناني، وأصبح يحتل 18 نقطة بدل 5، ورسم الخط الأحمر المضاد للدروع ثم طوّر عملياته نحو الخط الأصفر. أي أنه بدأ بالخط الأزرق على الحدود ثمّ الخط الأحمر بعمق ما بين 5 إلى 6 كلم لمنع القذائف المباشرة، ثم توغل ما بين 7 و10 كلم ورسم الخط الأصفر". كل هذه المنطقة من الخط الأصفر وما دونها حتى شمال إسرائيل، بات نصفها أرضًا محروقة ومجروفة ومفخخة وغير قابلة للحياة وتم تهجير أهلها.
وهذه القرى الفارغة تطبّق عليها إسرائيل ما سمّي بـ"عقيدة الضاحية" التي طبّقتها في غزة، بحسب صخر، أي الإخلاء والتفخيخ والتفجير وإزالة معالمها عبر الجرافات لتصبح أرضًا ممسوحة لا حياة فيها.
أكثر من 70 قرية في جنوب لبنان خسرها أهلها، فيما يسرح الجنود الإسرائيليون فيها، تارةً يطبخون الملفوف، وتارة أخرى يتنعمون بأرزاقها، وبنزق كامل ينشرون فيديوات وصورًا لتكون الجريمة كاملة وعبثية إلى أقصى حد.
في غزة رسمت إسرائيل ما سمته الخط الأصفر، وقسّمت القطاع بين غربي للغزويين، وشرقي أصبحت إسرائيل تستولي عليه، وهو ما يشبه الصورة في جنوب لبنان بحسب العميد صخر.
فالجزء الأول من القرى تفخخه إسرائيل وتنسفه (نحو 70 قرية) فيما تسيطر على القسم الآخر بشكل غير مباشر بالنار، وتصطاد القادة والعناصر التابعين لـ"حزب الله". ووفق هذا السيناريو يُمنع على السكان جميعًا العودة.
وباحتلال نحو 60 في المئة من جنوب الليطاني بشكل مباشر والسيطرة على الباقي بالنار، حققت إسرائيل هدفها الأساسي وهو تأمين شمال إسرائيل الذي تدور حوله الاستراتيجية الإسرائيلية الأساسية، فوفق مصلحة أمن الشمال الإسرائيلي، يخطط الجيش عملياته وعمق توغله. في هذا السياق يلفت صخر إلى أن "ردود حزب الله بالصواريخ والمسيّرات، بدأت تطاول القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، وليس في إسرائيل. يحاول حزب الله بصواريخ متخلفة ورديئة وبما تبقى لديه من قوة الرد على إسرائيل بأماكن انتشارها في لبنان".
وما بعد الليطاني على حد الزهراني، يقول العميد صخر "نلاحظ منذ أسبوع، أوامر لإخلاء المنطقة من سكانها والتركيز على القطاع الشرقي والمناطق الممتدة فوق القطاع الشرقي أي النبطية وكفرتبنيت… وهي منطقة شمال الليطاني، ويتم التركيز عليها لأنها متاخمة للقطاع الشرقي القريب الى إصبع الجليل. ولولا المنع الأميركي من استهداف بقية المناطق اللبنانية، لكانت إسرائيل تسرح وتمرح برًا وبحرًا وجوًا في المناطق اللبنانية الأخرى".
مخاوف من التصعيد
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل ضرباتها بشكل يومي في جنوب لبنان وحتى على البقاع، وبحسب مصادر فهذا يأتي بإطار الضغط على لبنان في مسألة التفاوض في واشنطن، وهو تفاوض تحت النار.
ومع استمرار تعثر المفاوضات الأميركية-الإيرانية ،نظرًا لإصرار طهران على شروط صعبة وشبه مستحيلة بالنسبة إلى الأميركي، تتخوف مصادر أمنية من عودة الحرب الشاملة إلى لبنان، وعودة إسرائيل إلى مخططاتها التي تمتد إلى احتلال جزء من البقاع، للسيطرة على مخازن "حزب الله" الأساسية، حيث يُعتقد أن البقاع الشمالي تحديدًا ، هو منجم "حزب الله" ولاسيما بالصواريخ الطويلة المدى التي تشكل هدفًا أساسيًا لإسرائيل.
وتربط المصادر بين مصير المفاوضات مع إيران ومصير لبنان، خصوصًا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لن يستطيع مواصلة لجم الرغبة الإسرائيلية في التوسع في لبنان للقضاء على "حزب الله"، ليس في جنوب الليطاني أو شماله فحسب، بل امتدادًا نحو بيروت والبقاع أيضًا.
