الشرعيّة اللبنانيّة كعدو أوّل

كتب مروان الأمين في صحيفة نداء الوطن:

لا يزال النظام الإيراني يتعامل مع لبنان بوصفه ساحة وامتدادًا مباشرًا لنفوذه الإقليمي، رافضًا إعادة تقييم هذا الدور. فرغم الضربات العسكرية الموجعة التي نجحت إسرائيل في توجيهها لـ"حزب الله"، والأثمان الباهظة التي تتكبدها الطائفة الشيعية، يبدو أن العقل الإيراني لا يزال يرى في الحفاظ على هذا النفوذ أولوية استراتيجية.

لا يتعامل هذا العقل مع لبنان من زاوية الخسائر العسكرية الكبيرة التي مُني بها "حزب الله" في مواجهته مع إسرائيل، ولا من زاوية التطورات الميدانية المرتبطة باحتلال إسرائيل لأراضي في الجنوب. كذلك، فإن حجم الخسائر البشرية في صفوف أبناء الطائفة الشيعية، وموجات النزوح الواسعة، والدمار الذي طاول عشرات القرى الجنوبية، لا يبدو أنها تُشكّل عاملًا مهمًا بالنسبة له، يستوجب إعادة النظر في حساباته.

لا بل على العكس من ذلك، من الواضح أن العقل الإيراني يتعامل مع الأكلاف العسكرية والبشرية والاقتصادية، على أنها "خسائر جانبية" لا تستدعي أي مراجعة، ولا بأس في تسديدها للحفاظ على السلاح النفوذ في لبنان.

في هذا السياق أيضًا، لا يرى العقل الإيراني في الاحتلال إسرائيل لأجزاء من الأراضي اللبنانية، على أنه تهديد جدّي لنفوذه في لبنان. بل الخطر على نفوذه هو في تفلّت المناطق خارج الاحتلال من سيطرته. لذلك، في هذا العقل، نفوذه ثابت في لبنان ما دام "حزب الله" يحتفظ بسيطرته الفعلية على الأرض خارج نطاق الاحتلال، وما دامت الدولة اللبنانية لا تتحرك للقيام بخطوات جدّية لنزع سلاحه.

إن الخسائر الميدانية مهما بلغت حدّتها، واحتلال إسرائيل للأرض مهما بلغت مساحتها، لا ترقى إلى مستوى تهديد النفوذ الإيراني، ما دام أن يد "حزب الله" لا تزال فوق يد الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية في المناطق اللبنانية، خارج نطاق الأراضي المحتلة.

بل إن هذا الواقع، أي الاحتلال، سيتحوّل إلى عامل يستخدمه هذا العقل، في إعادة إنتاج سردية "المقاومة" بوصفها ضرورة لتحرير الأرض. وبذلك، لا ينظر العقل الإيراني إلى الخسائر الميدانية أمام إسرائيل كاختلال يمكن أن يتهدّد نفوذه، بل ليست أكثر من إعادة توزيع للسيطرة على جغرافية لبنان بينه وبين إسرائيل.

في قراءة سلوك إيران، يبدو واضحًا أن هاجس طهران الحقيقي لا يتمثل في إسرائيل، بقدر ما يتمثل في عودة الدولة اللبنانية إلى ممارسة دورها السيادي. فالعقل السياسي الإيراني لا ينظر إلى الاحتلال الإسرائيلي بوصفه خطرا يمكن أن يتهدد نفوذه داخل لبنان، بل يرى في استعادة الشرعيّة اللبنانية لقرارها السيادي التحدي الأخطر لنفوذه.

ومن هنا يمكن فهم حدّة ردود الفعل التي صدرت عن "حزب الله" وإيران تجاه استعادة الشرعيّة لسيادتها على القرار الدبلوماسي، حيث جاءت أشد بكثير من مواقفهم تجاه الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل تمدده في الجنوب. ذلك أن استعادة الدولة لصلاحياتها السيادية، تعني عمليًا تقليص مساحة النفوذ التي راكمتها طهران عبر أعوام طويلة.

المعادلة في لبنان بالنسبة للعقل الإيراني ولـ"حزب الله" واضحة: الخطر الحقيقي ليس في إسرائيل، بل في قيام الدولة اللبنانية بخطوات جدّية لاستعادة سيادتها على القرار الأمني والعسكري، بعد أن استعادته على المستوى الديبلوماسي. لذلك، فإن العدو الأول بالنسبة لهم ليست إسرائيل بقدر ما هي الشرعيّة اللبنانية.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى