تاريخ الألوان التي حكمت حدود لبنان

لوسي بارسخيان في نداء الوطن:
اختارت إسرائيل اللون "الأصفر" الذي يرمز إلى "حزب الله"، لتعيد بـ "النار" تعريف حدودها الفاصلة عن لبنان، من خلال رسالة وجهتها بالخط الأصفر إلى اللبنانيين عمومًا، وبيئة "حزب الله" تحديدًا، ومفادها: "هذا ما جناه أصفركم عليكم".
فما اصطلح على تسميته في الأيام الماضية "خطًا أصفر" لن يظهر على أي خريطة رسمية على الأرجح، لكنه يتجسّد بوضوح في امتداد الدمار على طول القرى الحدودية. وهو بذلك، أقرب إلى توصيف لواقع بلدات أُفرغت من سكانها بعدما صار البقاء فيها مستحيلًا، وسيادة معلّقة بعدما اختلّ ميزان الردع، وباتت الآمال معلّقة على التفاوض لاستعادتها.
إسرائيل تفرض معادلتها
مع أن إسرائيل لم تعلن أي ضم رسمي لقائمة القرى التي ستقع داخل هذا الخط، إلا أن الخريطة المتداولة إعلاميًا، تعكس التصوّر الإسرائيلي لكيفية حماية حدودها الشمالية، من خلال التوغل بعمق نحو عشرين كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانية. وهذا ما يعيد لبنان بالزمن إلى ما قبل التحرير في العام 2000، وينتقل به من مرحلة الخط الأزرق إلى مرحلة الشريط الحدودي. وهو "الشريط" الذي شكل فعليًا تقدماً داخل الأراضي اللبنانية بعمق يصل إلى عشرين كيلومترًا، قبل أن ينهار في العام 2000، ويستبدل بـ "الأزرق".
قد لا يكون "الخط الأصفر" إلا حلقة جديدة في سلسلة خطوط رسمت بالقوة، وتبدّلت وظائفها بتبدّل ميزان القوى.
فماذا في تاريخ هذه الخطوط، وكيف تدرّجت بأهدافها وخلفياتها وتداعياتها؟
خليفة: لا مساومة على خط ترسيم الحدود
منذ مرحلة الانتداب الفرنسي، لم تستقر خطوط لبنان الحدودية يومًا، وصولًا إلى واقع تقدّمت فيه سلطة النار على الجغرافيا غير أن المشكلة كما يصفها الدكتور عصام خليفة، الباحث والمختص بملف ترسيم الحدود، ليست في الجغرافيا، فهي ليست السبب في استجلاب النزاعات سواء من ناحية الجنوب أم من الشرق والشمال، وإنما هي الأطماع بلبنان.
وعليه، يعيد خليفة الحروب في لبنان إلى هذه الأطماع، معتبرًا أن "كل الخطوط التي رسمت على الحدود الجنوبية، أيًا كان لونها، لا يمكن وصفها إلا بالاحتلال الذي يجب رفضه" مشددًا على أن المرجع الحدودي الوحيد للبنان هو خط الحدود الدولية. وعلى لبنان التمسّك بهذه الحدود الدولية الموثقة في اتفاقية Paulet–Newcombe Agreement، الموقعة في عهد الانتداب الفرنسي بين فرنسا وبريطانيا في آذار 1923، والمصادَق عليها من قبل عصبة الأمم المتحدة في 4 شباط 1924، والتي جرى توثيقها لاحقًا عبر اتفاق الهدنة الموقع بين لبنان وإسرائيل في 23 آذار 1949.
ويكشف خليفة أن إسرائيل أقرّت بهذه الاتفاقية وتقسيماتها الجغرافية من خلال تصديقها بعد اتفاق الهدنة على اتفاق ترسيم للحدود، وضعت خرائطه في العام 1949 ووقع عليها إسكندر غانم عن الجانب اللبناني وفريد ليندر عن الجانب الإسرائيلي.
وعليه يعتبر خليفة أن أي مصطلح آخر لتعريف الحدود مرفوض، معتبرًا أن محاولة إعادة إحياء الشريط الحدودي الذي كان قائمًا قبل التحرير ليست سوى غطاء للإمعان في تدمير المنازل وإحراق الأرض، منعًا لعودة اللبنانيين إلى قراهم. كما يرى أنه لا يمكن لأي مفاوض أن يساوم على الأرض أو الحدود الدولية. مشدّدًا على أن أي مفاوضات يجب أن تبقى ضمن سقف اتفاق الهدنة واتفاق الطائف، فيما تشكّل أي مسارات أخرى متاهة تمسّ المصلحة العليا للبنان.
"الشريط الحدودي" ومعادلاته الجديدة
كان يفترض بالخط الدولي الذي جرى التوافق عليه في اتفاقية الهدنة إذًا أن يشكل حدودًا نهائية يمكن الركون إليها بين البلدين. ولكن التوترات التي لحقتها في ستينات القرن الماضي وتمدد "المقاومة الفلسطينية" إلى لبنان سرعان ما حوّل هذه الحدود إلى خاصرة رخوة.
انهارت الحدود كليًا مع عملية الليطاني في العام 1978، وهي أولى الحروب التي شنتها إسرائيل على لبنان بهدف القضاء على المقاومة الفلسطينية في جنوبه وإقامة منطقة عازلة. وقد تلاها مباشرة اجتياح لبنان في العام 1982، وما نتج عنه من تثبيت "للشريط الحدودي" الذي شكل تقدماً فعليًا داخل الأراضي في الجنوب بعمق تراوح بين 10 و20 كيلومترًا، وأُدير عبر "جيش لبنان الجنوبي" بدعم إسرائيلي مباشر لنحو 18 عامًا.
في تلك المرحلة، لم تكن السيطرة عسكرية فقط، بل اجتماعية أيضًا، ظهرت من خلال تصاريح العبور الإسرائيلية التي كانت وحدها تخوّل الأهالي الانتقال إلى قراهم، ومن خلال اقتصاد حدودي مشوّه، وانقسام داخل القرى نفسها بين الداخل والخارج، مقابل بنية أمنية كثيفة من مواقع وحواجز ونقاط مراقبة. ورغم هذا التشديد، واجه الشريط استنزافًا تدريجيًا بفعل العمليات المستمرة، إلى أن انهار مع تفكّك منظومته المحلية وتحت ضغط ميداني وسياسي متراكم.
الخط الأزرق لضبط التوتر
ولكن قبل الانسحاب كانت قد تبلورت قواعد اشتباك غير مكتوبة، ولا سيما بعد عملية "عناقيد الغضب" التي نفذتها إسرائيل في محاولة لإنهاء قصف مستوطناتها الشمالية من قبل "حزب الله". فأفرزت بعد 16 يومًا من موجة عنف شديدة شهدها لبنان، نوعًا من الخطوط الحمراء الافتراضية لضبط العنف، ولو من دون الغائه. وقد قضت هذه المعادلة حينها بعدم استهداف المدنيين مباشرة، وبالتالي حصر العمليات في نطاق معيّن.
إلى أن تحقق التحرير في العام 2000. حينها رُسم خط جديد، وبرعاية أممية هذه المرة، واسمه "الخط الأزرق".
ولكن الخط الأزرق بقي خطًا للتحقق من الانسحاب استنادًا إلى خرائط الانتداب واتفاقيات سابقة، من دون أن يرقى إلى مستوى الالتزام بالحدود الدولية التي جرى ترسيمها بين البلدين. فعملت "اليونيفيل" كقوة مراقبة وتوثيق ووساطة ميدانية، في إطار ضبط هش للتوتر، خصوصًا أن الخط أبقى على 13 نقطة تحفظ لبنانية، دملتها الكبرى في شبعا. وهذا ما شكل فجوة بين الخط الذي رسمته الأمم المتحدة والحدود التي يعتبرها لبنان دولية استنادًا إلى اتفاقيات 1923 واتفاقية الهدنة 1949. وقدم ذريعة كافية للتمسك بسلاح "المقاومة" في لبنان.
الدخول بزمن القرارات الدولية
لم تهدأ التوترات على رغم رسم هذا الخط الأزرق. وبين عامي 2000 و2006، تكرّست قواعد اشتباك غير مكتوبة، قبل أن تنفجر مع حرب تموز 2006. لتتكرس بعد 34 يومًا من هذه الحرب معادلة حدودية جديدة في جنوب لبنان، عنوانها هذه المرة القرار 1701.
كان يفترض أن يشكل القرار 1701 الخط الذي يرسم الحدود القتالية بين لبنان وإسرائيل. وقد تتطلب ذلك من السلطة الشرعية اللبنانية نشر الجيش اللبناني في جنوب الليطاني، ومنع وجود سلاح غير شرعي، إلى جانب ما نص عليه من تعزيز لدور "اليونيفيل".
غير أن القرار بقي معلقًا من الناحية العملية. ولم تنفذ مندرجاته كما لم ينفذ القرار 1559. وهو القرار الذي صدر منذ العام 2004، وأعيد التذكير به مع انتهاء الجولة الأولى من الحرب التي بدأت مع إسناد غزة في العام 2023. ويدعو القرار إلى تفكيك الميليشيات على الأراضي اللبنانية وفرض سيطرة الدولة على جميع أراضيها وانسحاب القوات الأجنبية منها.
الكرة بيد "الشرعية" لإزالة الأصفر بشتى تعريفاته
تحوّل الخط الأزرق مع التوتر الذي رافق حرب إسناد غزة إلى مجرد مرجع شكلي. وهذا ما سمح لإسرائيل اليوم بإعادة إنتاج فكرة "الشريط الأمني" ولكن من دون كلفة التقدم المباشر. وها هي ترسي معادلة "الخط الأصفر" الذي رسمته بعد الجولة الثانية من حرب إسناد إيران ومحورها، امتدادًا لمسار خطوط لم تهدأ يومًا على رغم تلوناتها.
ولكن ولادة هذا الخط اليوم، تتزامن مع الانطلاق بمرحلة مفاوضات تاريخية بين لبنان وإسرائيل لإنهاء التوتر. وتولّي الشرعية اللبنانية لهذه المفاوضات مباشرة، لأول مرة منذ اتفاق الهدنة، لا بد أن يكون دافعًا للعودة إلى النقطة التأسيسية التي جرى تجاوزها مرارًا، أي خط الهدنة لعام 1949، المستند إلى اتفاقية Paulet–Newcombe Agreement التي رسمت حدود لبنان الحديثة.
