بعد عرض ماريو مبارك… أين تنتهي حرّية “الكوميديا الدينيّة” ويبدأ التجديف؟

كتبت إستال خليل في “نداء الوطن”: بعد الجدل الكبير الذي أثاره مقطع الفيديو المسرَّب من عرض للكوميدي ماريو مبارك، وما رافقه من إخبار قضائي واعتراضات كنسية وحملات متضاربة على وسائل التواصل الاجتماعي بين رافض للمضمون ومَن لم يرَ فيه ضيرًا، عاد السؤال في لبنان حول حدود الكوميديا، وإلى أي مدى يمكن للفن الساخر أن يقترب من الدِّين من دون أن يتحوّل إلى تجديف أو إهانة للمقدَّسات. بين حريّة التعبير وكرامة المعتقد، وبين دور الفن في النقد الاجتماعي وخطر الانزلاق إلى التحريض والفتنة، تتعدد المقاربات القانونية والفكرية والفنية.

يشير الكاتب والمخرج والممثل جو قديح في حديث لـ “نداء الوطن”، إلى أنه يفضل من جهته الابتعاد في نصوصه وعروضه المسرحيّة عن الدِّين والسياسة حتى لا يجرح أحدًا، موضحًا أن “كلّ إنسان حرّ في ما يقول ويفعل، لكنه يبقى في النهاية مسؤولًا عن عواقب كلماته وما تثيره من ردود فعل في المجتمع”. ويؤكّد قديح أنه مع حرية التعبير الكاملة، إلا أن هذه الحرية تتوقف عندما تتحوّل إلى إساءة مباشرة للآخرين أو مسّ بمعتقداتهم. كما اعتبر أن “دَور النقابات الفنيّة أساسي في تنظيم المهنة، في زمن أصبح فيه من السهل على أيّ شخص أن يقدّم نفسه ممثلًا أو مخرجًا، من دون أن يخضع لحدّ أدنى من الانضباط المهني”.

منصّات مموّلة

ويلفت قديح إلى وجود “منصّات مموّلة هدفها إثارة النعرات الطائفية، يختبئ خلفها أشخاص يستخدمون الكوميديا وسيلة للهجوم على المعتقدات الدينية أكثر ممّا يستخدمونها للنقد أو الإضاءة على المشاكل الفعلية في المجتمع”. وقال إن “هذا النوع من السخرية لا يمت إلى الفن بصلة، لأنه يبني شهرته على استفزاز الغرائز لا على عمق الفكرة أو ذكاء النكتة”.

قديح كشف في حديثه معنا أنه يعمل حاليًا على كتابة مسرحية عن بولس الرسول، “أروي فيها سيرته من زاويتي الخاصة، لكن مع حرص كامل على احترام مشاعر كلّ من يدخل إلى الصالة، فمن لا يحترم فكر غيره وجنسه وعرقه ومعتقده لا يحترم نفسه قبل أي شيء”، ناصحًا أهل الكوميديا بأن يفرّقوا جيّداًًا بين “الكوميديا و “المسخرة”، وبين النقد الاجتماعي والتجريح الشخصي، لأن دور الفنان هو أن يعبّر عمّا يشعر به الناس وأن يضيء على أوجاعهم، لا أن يحقرهم أو يهين معتقداتهم”.

وعن وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت منصّة لتقديم مثل هذه المواد، رأى قديح أنها تسمح اليوم بإعدام الناس معنويًا بكلمة، وتفتح الباب أمام حملات تمسّ بكرامة فنانين وفنانات وتهين عائلاتهم، مؤكّدًا أنه لا يقبل إهانة الإسلام ولا المسيحية ولا أي دين آخر، لأن الحرية الحقيقية لا تنفصل عن المسؤولية، وحين يتحوّل الفن إلى أداة للتحريض والفتنة والتشهير يفقد قيمته ودوره. وختم مشددًا على أن “المسرح في لبنان يبقى بخير ما دام يحافظ على هذا التوازن بين الحرية والمسؤولية”.

خالِف تُعرَف

الممثل الكوميدي طوني كيروز رأى بدوره في حديث لـ “نداء الوطن”، أنّ “بعض الكوميديين يعتمد أسلوب “خالف تُعرَف” بحثًا عن الشهرة السريعة، وهؤلاء حتمًا سيواجهون ضغوطًا وردود فعل قاسية، بينما الكوميدي الذي يحترم نفسه ومعتقدات غيره لا يخاف من المحاسبة، لأن ما يقدّمه يكون منسجمًا مع نفسه ومع احترامه للجمهور”.

كيروز يرى أن “حدود الكوميديا تتوقف عندما نصل إلى مكان نستخف فيه بمبادئ الناس، أو نجرحهم، أو نُسخف معتقداتهم، وخصوصًا الدينية منها”. ويوضح في هذا الإطار أن “تناول الدِّين في الكوميديا ليس ممنوعًا من حيث المبدأ، لكنه يحتاج إلى درجة عالية من الذكاء والحنكة. فإذا كان الكوميدي لا يعرف كيف يتعامل مع هذه المواضيع بطريقة ذكية وواعية، فالأفضل أن يبتعد عن هذا الموضوع بالكامل”.

وتوقف كيروز عند أثر وسائل التواصل الاجتماعي، فاعتبر أنها “غيّرت طريقة تفاعل الجمهور مع الكوميديا، وأصبح أيّ شخص قادرًا على قول أيّ شيء من أجل الشهرة فحسب، وباتت “الشهرة السلبية” أسرع وأسهل من أي وقت مضى”.

يبقى أن دَور الكوميديا، بالنسبة لكيروز، مهمّ جدًا في معالجة الأمور الحياتية اليومية والإضاءة على مشكلات المجتمع، فـ “نحن ننتقد بهدف الوصول إلى مجتمع أفضل، والناس تتأثر أحيانًا بالكوميديا أكثر ممّا تتأثر بالتراجيديا”.

ولا ينسى الكوميدي طوني كيروز أن يلفت الشابات والشبان الراغبين في خوض هذا المجال، إلى أن عليهم أن يعوا تمامًا ماذا يكتبون، وأن يتمتعوا بحسّ عالٍ من المسؤولية، مؤكّدًا أنه “مع حرية التعبير إلى أقصى حد، لكن عندما تتحوّل الحرية إلى تجريح بالآخرين وبمعتقداتهم، لا تعود حرية تعبير، بل تصبح إساءة صريحة”.

كيروز يلفت إاى أنه في العروض التي يقدّمها يحرص على أن تكون مواضيعه “نابعة من وجع الناس ووجعنا اليومي، ومن المواقف التي نعيشها جميعًا، فنضحك على ألمنا بدل أن نستسلم له”. وهو في 21 كانون الأول الجاري، سيُقدّم عرضًا كوميديًا مشتركًا مع الممثل الكوميدي كريستيان الزغبي يستكمل فيه “هذا الخط القائم على الكوميديا الذكية والنظيفة، بحسب ما يقول.

ماذا عن القانون؟

“التناول الساخر للقضايا الدينية على المسرح أو عبر المنصات لا يمرّ قانونًا، إذ لا يجوز من أجل إضحاك الناس التعرّض للمعتقدات الدينية، فهذا سلوك يرقى الى مستوى الجرم ويستوجب المحاسبة”، بهذه العبارة يلخّص المحامي باتريك شليطا القضيّة والنقاش. ويوضح أن “القانون اللبناني يعالج هذا الموضوع صراحة تحت باب الجرائم التي تمس الدِّين والعائلة، وهي من نوع الجنحة”، مشيرًا الى أن “المادة 473 من قانون العقوبات تعاقب بالحبس من شهر إلى سنة كلّ من يجدّف على اسم الله علنًا، فيما تنصّ المادة 474 على معاقبة من يحقر الشعائر الدينية التي تمارَس علنًا، أو يحض على الازدراء بها، بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى الغرامة، متى جرى ذلك عبر أيّ وسيلة من الوسائل العلنية المذكورة في المادة 209”. شليطا اعتبر أن “مثل هذه العروض تفتح الباب أمام إثارة النعرات الطائفية تحت عنوان التهكّم أو النكتة”.

وعن المسار القانوني، قال “إن الإجراءات واحدة، سواء كان الفاعل فنانًا كوميديًّا أو شخصًا عاديًّا. فأيّ شخص يمكنه تقديم شكوى مباشرة، أو إيداع النيابة العامة التمييزية إخبارًا يطالب فيه بالتحرّك، كما حصل في ملف الكوميدي ماريو مبارك”. مضيفًا: “النيابة العامة التمييزية تفتح التحقيق، ثم تحيل الملف إلى النيابة العامة الاستئنافية ومنها إلى المخفر المختص، وقد ينتهي الأمر بتعهُّد بعدم التعرّض للمقامات الدينية وسحب المادة المصوّرة، أو بالادعاء أمام المحكمة وفق المواد الجزائية المناسبة، مع احتمال الحكم بالحبس أو بالغرامة أو وقف تنفيذ العقوبة”.

المحامي باتريك شليطا رأى في حديثه مع “نداء الوطن” أن “مجال الدفاع المتاح للفنان في مثل هذه القضايا يبقى ضيِّقًا، إذ قد يحاول التذرّع بطبيعة عمله الفني أو بالعمومية في الكلام، لكن وجود نصوص واضحة تجرِّم التجديف وتحقير الشعائر يحدّ كثيرًا من جدوى هذه التبريرات، ولا يفتح الباب إلا لطلب الأسباب التخفيفية”.

في المقابل، يؤكد شليطا أن “للفنان أو لأي شخص يتعرّض للتهديد أو التحريض بعد عرض مثير للجدل، خصوصًا عند نشر عنوانه أو رقمه، الحق الكامل في اللجوء بدوره إلى النيابة العامة وتقديم شكوى بحق من هدده، بحيث يُستدعى هؤلاء للتحقيق ويوقعون على تعهُّد بعدم التعرض له، وإذا أخلّوا به يمكن أن يتوسّع التحقيق ويصل الأمر إلى التوقيف”.

كما يشدد المحامي باتريك شليطا على “خط أحمر واضح يمنع التهكم على المقامات الدينية في بلد حسّاس مثل لبنان”، معربًا عن اعتقاده بأن “العروض الكوميدية المصوّرة يُفترض عرضها مسبقًا على الرقابة المختصة حين تتضمن ما يمسّ بالدِّين”. ويختم موضحًا أن “إذا صدر حكم أو تعهّد بعدم إعادة نشر مقطع مسيء، ثم أعاد شخص آخر نشره، لا تبقى المسؤولية على الفنان الأصليّ بل يتحمّلها من أعاد نشر المقطع، ويمكن إلزام هذا الأخير بحذفه والتحقيق معه وفق الأصول القانونية”.

حساسية جماعية

لكن ماذا عن حساسيّة المجتمع لإثارة بعض المواضيع والقضايا في العروض المسرحيّة أو التلفزيونيّة الفنيّة؟ الاستشارية في علم النفس ريما بجّاني، تقول لـ “نداء الوطن”، إن “علاقة المجتمع اللبناني بالدِّين مرتبطة على نحو عميق بالهويّة. صحيح أن الحرب انتهت وصُنفت أهليّة لا طائفيّة، لكنها أُدخلت لاحقًا في الإطار الطائفي وخلّفت تداعيات عميقة، وبقي أثرها في اللاوعي الجماعي. لذلك ما زال المجتمع اللبناني يحمل في داخله انقسامات لم تُحسَم بعد، وما زلنا نعيش إشكاليّات تعيد، ولو بصورة خفيفة أحيانًا، إحياء هذه الانقسامات. كذلك برزت مجتمعات فرعيّة باتت أكثر تعلّقًا بالشعائر والمقدّسات الدينية، لأنها تعبّر من خلالها عن انتمائها وطريقة عيشها وتفكيرها، وترى في ذلك جزءًا من هويّتها”.

وتتابع بجّاني شارحةً خصوصيّة المشهد اللبناني قياسًا بدول أخرى، فتشير إلى أن “المجتمع اللبناني لا يزال شديد التعلّق بالدِّين، في حين أن هذا التعلّق تقلّص أو تبدّل في دول أخرى. وفي الحالة التي نناقشها اليوم، لم يُستعمل الدِّين مجرّد مادّة للضحك، بل جرى التطرّق إلى جوهر الإيمان المسيحي القائم على موت المسيح وقيامته، ما جعل كثيرين يشعرون أن ما قيل يمسّ بقيمة هذا الإيمان ويُسيء إليه. أمّا في تقديري، فالمسألة ترتبط أكثر بطريقة تلقي الناس لما قيل؛ فثمّة أشخاص منفتحون لا يرَون الدِّين سلطة ضاغطة في لاوعيهم، وثمّة من يشكّل الدِّين بالنسبة إليهم سلطة عليا حاضرة في أعمق مستويات شعورهم. من هنا تأتي الحاجة إلى حدود واضحة: لا نمنع السخرية ولا نمنع النقد، لكن لا نسمح بأن يُمسّ عمق فكر إنسان أو كرامته بطريقة جارحة ومهينة. فحريّة التعبير تقتضي دائمًا مراعاة شعور الآخرين، ولا تُسقِط مسؤوليّة المتكلّم تجاه من يخاطبه”.

بجّاني اعتبرت أن “الحساسيّة في لبنان تجاه هذه المواضيع مضاعفة، لأن عددًا كبيرًا من الناس يشعر أن أيّ تصرّف قد يكون استهدافًا مباشرًا له، في مجتمع يحمل آثار الحروب المتعاقبة ويختزن في لاوعيه خوفًا مزمنًا من التهديد وغياب الأمن والأمان”. وأوضحت أن “هذا الواقع ينتج تعلّقًا شديدًا بالدّين ورغبة انفعاليّة في الدفاع عنه، كما يدفع كثيرين إلى تفريغ غضبهم وضغطهم في قضايا من هذا النوع، لأنهم في القضايا الأخرى، السياسية والاقتصادية والمعيشية، لا يشعرون أن صوتهم مسموع أو مؤثر”.

وختمت بالقول: “نحتاج إلى تثقيف حقيقيّ وتنمية للإنسان كإنسان، وإلى فهم جدّي لمعنى الحريّة وحدودها، وكيفية الفصل بين الرأي والاعتداء، وبين النقد والتجريح. إذا بدأنا من هنا، يمكن أن نخفف عن الأجيال المقبلة هذا الإرث الثقيل الذي نحمله في لاوعينا الجماعي”.

إشارة أخيرة إلى أننا في سياق محاولة نقل مختلف وجهات النظر من الموضوع، سعت “نداء الوطن” إلى التواصل مع القيّمين على منصّة “Awkword Comedy”، إلا أننا لم نتلقَ أيّ جواب حتى ساعة إعداد هذا التحقيق. كما حاولنا التواصل مع عدد من الكوميديين الذين يقدّمون عروضهم من خلال هذه المنصّة، لكنهم رفضوا الإدلاء بأي حديث أو تعليق.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى